User Rating:  / 2
PoorBest 

سم صاحبه سموم([1])

 

          تحت تلك الظلال الوارفة كان كل منهما يستمع إلى حديث صاحبه، حديث عذب امتزجت به روح الصبا، وحلاوة الحياة، فما إن تشرق شمس الصباح حتى يغدو أحدهما مسرعا نحو الآخر ، يبث له همومه، يشاركه أفراحه وأتراحه.

          اقتضت الحياة أن يتحرك أحدهما إلى المدينة تبعا لمتطلبات الحياة وتبعات المعيشة، بقي التواصل الروحي قائما، والزيارات متى ما سنحت الفرصة تظلهم بساحئبها. أشواق تعيدهما إلى حياة القرية، مع تناغم خرير الماء مع حفيف الشجر، إلى جلسة المساء عند جدول الماء الصافي بصفاء تلك القلوب التي نشأت على الفطرة السمحة.

          كل يوم يأتي يسأل نفسه متى سأكون قريبا منك يا صاحبي، لم أعرف صاحبا بصفاء قلبه وروعة أخلاقه وجمال نفسه، علي أن أحزم أمتعتي قادما إليك، افتقدت سؤالك، كأن صخب المدينة سيأخذك بعيدا عن قلب جمعتك به ذكريات خالدة، ومحبة طاهرة.

          قرر خالد أن يكون كغيره من المغامرين في ركب الحياة، أراد أن يكون انتقاله مفاجأة لصاحبه، فبعد أن استقر في شقته، دعا صاحبه إلى تناول العشاء وكانت المكان هو مسكنه الجديد..

          خالد يسأل صاحبه: ما رأيك في انتقالي؟ قلت في نفسي: لن أكون وحيدا أو غريبا ما دمتَ أنت معي، أليس كذلك؟

          تدور الأفكار في رأس صاحبه، وقد شعر أن خالدا سيحد من حريته، فهو ليس كما عهده على طبيعته، فأخذه العمل، ورفقاء العمل، فهو مجبر أن يؤدي دور الصاحب السابق، لا يريد أن يصدم خالد الذي ترك كل شيء وجاء ليجدد عهدا جمعهما على الخير.

          بدأت الشكوك تساور خالد، وهو يرى التفكير قد سيطر على صاحبه ولا يعرف أين تسبح به الأفكار والأحلام.. حاول أن يتجاهل ما رأى من علامات على صاحبه، فالتقط أطراف الحديث الذي كان يهمس به صاحبه، وكأن لسان حاله يقول: ما زال ظني بك كبيرا يا صاحبي.

          تأقلم خالد مع صاحبه وجاهد أن يعيد روابط الأخوة بكل معانيها، فعاشها جميلة أنسته الوحدة والغربة التي امتلأت بها سماؤه الصافية بعد أن ودعته القرية بذكرياتها الجميلة.

          كعادة خالد يحب أن يكون قريبا من صاحبه فكان يحرص أن يعرض خدماته برا به وتحقيقا للوعود التي قطعها كل منهما في خدمة صاحبه.

          مضت السنوات وخالد بقلبه الطاهر وطبيعته القروية لا يحمل في قلبه حقدا على أحد، فشغله الشاغل أن ينفع كل من حوله، وكلما تقدم العمر وأخذت السنون شيئا من عمره يكتشف شيئا عن صاحبه، فيكذب عينيه، ويتهمهما بضعف البصر، ثم يقول: صاحبي العزيز ورفيق عمري يحدثني باللسان نفسها، إذا لماذا أراه بخلاف هذه الصورة في أماكن أخرى، كيف يقدر أن يكون شخصيتين في آن واحد؟!

          حاول صاحب خالد أن يتبع كل الحيل التي تجعل من خالد رهن إشارته، وخاتما في إصبعه، يأتمر بأمره وينتهي بنهيه، فيسير خلفه كالإمعة.

          في كل مرة يقوم صاحب خالد بحيلته ثم يكشف الله الأمر جليًّا لخالد، فيكتمُ حفاظا على مشاعر صاحبه، ويبقى على طبيعته، والآخر يظن أن خالدا مغفلا قد شرب المقلب وأنه قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الهدف.

          في كل مرة يسأل خالد نفسه: هل أبتعد عن إنسان أحببته في الله؟ هل أواجهه لم تفعل كل ذلك؟ هل جزاء مودتي لك إغراقي في أمور لا قبل لي بها؟ تتزاحم الأسئله في خضم الأفكار المتلاطمة في بحر علت أمواجه وشكلت هديرا في ليال صعبة تنتظر الصباح فترسوا السفن على شاطئ الأمن والاستقرار.

          بدأ خالد يفكر كثيرا في هدف صاحبه من إبعاده عن حياته وفي كل مرة يعود إلى مسكنه حائرا ماذا يفعل؟

كم هي السعادة التي ظهرت عليه عندما تلقى اتصالا من صاحبه يدعوه لتناول الغداء في بيته، شعر أن الأمور ستعود إلى مجاريها، فمنذ فترة لم يلتقيا على صحن واحد.

          تبادلا الأخبار كعادة الرجال، ولم تمض دقائق حتى تقابلا على الطعام، واسترسلا في الحديث الذي افتقده خالد منذ زمن..

قبل الانتهاء من الطعام أراد خالد أن يشرب كوبا من الماء، ثم عدل عن رأيه ورأى أن يشرب بعد غسل يديه، عاد وتناول الكوب مندفعا، وهو يهم بالشرب لفت انتباهه ذرات غريبة على حافة الكوب، فبدأ يتأملها ويدقق النظر فيها، ثم يقول في نفسه: كأن ذرات سمّ، أيعقل هذا؟!

تمالك نفسه، وانتظر صاحبه لييرى ردة فعله، سأله هل شربت الماء خالد؟ لا لم أشرب قلت لعلك أكثر مني عطشا. هذه المرة الخطة لم تكن محكمة هذا حديث الصاحب لنفسه ثم قال: شربت قبل غسل يدي ولا أريد زيادة.

خالد متعجب: في كل مرة يكشف الله أمر صاحبه، ومع ذلك يحرص بإخفاء شعوره وأنه على بينة من فعله. تزداد أسئلة خالد لنفسه: هل أفقد صاحبي أم لم يعد صاحبي غيرته الحياة، كيف يؤذيني ومع ذلك أحاول أن أبقي عليه، هأنذا في كل مرة أكتشف شيئا جديدا ظاهرا لا شك فيه، وعندما ألقاه تعلوني البشاشة حتى لا أكدره.

هل أواجهه وماذا سأستفيد إن فعلت؟ هل أبتعد عنه وأبقى على السؤال عنه والدعاء له بظهر الغيب أن يهديه الله ويرده إلي ردا جميلا؟ كيف يصل الأمر إلى الإيذاء وهما اللذان تربيا معا؟! ألا تعلم يا صاحبي أن سمّك الذي تتعقبني به سموم؟!

هي أسئلة باقية لم يجد لها خالد أجوبة ولا شيء يفعله سوى أنه يستعين بالله ويتوكل عليه فيحفظه من كل كيد ويدفع عنه كل مكر.

 

سقيتك من معين الحب دهرا

وتسقيني السموم ولا تبالي

وهل أطياف رحلتنا تهاوت

كغيث سراب هاتيك الليالي

نعم جرعتني حقا ولكن

يكذبني الفؤاد على سؤالي

عجيب أنت يا زمني لنلقى

خناجر من صويحاب المعالي

أيغدر من صفاه القلب يوما

ويظهر جلد ذئب في الفعال

وتنسيه الدنايا كل شوق

تخالطه الحكايا في النضال

رفعت يدي لرب العرش حينا

بأن يهدي الرفيق إلى الجمال

وأن ترقى القلوب إلى بياض

 

سماوي النقاء لذي الجلال(*)

المصدر: كتاب فيوض ربانية لأم الوارث الجامعية، ج2.

______________________________________________

 

([1]) القصة حقيقية وليست من نسج الخيال، يحاول صاحبها جاهدا أن تصل رسالته إلى صاحبه، وما هو مكتوب يعد نزرا يسيرا إلى ما يحكيه الواقع وعليه أعتذر إن كنتُ اختصرت كثيرا من فصولها، وقد طلب إعادة صياغة قصته لئلا يتوصل أحد إلى أحداثها الحقيقية التي ما زالت فصولها متجددة، فحاولت تغيير بعض الأحداث دون المساس بمضمون القصة وإني أعتذر من صاحبها لضعف الصياغة وقلة الحيلة.

(*) استوقفت القصة الشاعرة نادية بنت سعيد الخوالدية فبكت أحرفها معبرة عن الموقف. جزاها الله خيرا وجعل كلماتها في طاعة الله عز وجل.

Hits: 4040

جديد الدورات التدريبية

M 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
344585
اليوماليوم199
أمسأمس317
هذا الأسبوعهذا الأسبوع2251
هذا الشهرهذا الشهر6141
كل الأيامكل الأيام344585